السيد محمد حسين فضل الله

135

من وحي القرآن

كيفية تصرف الناس أمام الشدة والرخاء تتكرر في القرآن الآيات التي تثير الظاهرة القلقة المتكررة في حياة الناس في الابتهال إلى اللّه في حالة البلاء ، والإعلان الإيماني بأنهم يخلصون له في العبادة والطاعة إذا رفع عنهم البلاء ، فإذا جاءت العافية ، برحمة من اللّه ، نسوا كل ما قالوه ، وعادوا إلى ما كانوا عليه . وتستهدف هذه الإثارة التنبيه على ضرورة امتداد علاقة الإنسان بربه إلى جميع حالاته ، ليكون اللّه هو الأمل في حالة الشدّة ، والرحيم في وقت الرخاء ، وليشعر الإنسان بحاجته إليه في كل شيء ، لأن كل ما لديه من النعم التي تحكم حياته هي من اللّه ، فلا يستغني عنه في أيّ وقت . * * * الإنابة عند الضر والشرك عند الرحمة وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ في ما يمثله الدعاء الحارّ النابض بالألم ، الممزوج باللهفة ، المتحرك بالأمل ، من عودة محكومة بظروفها الحادّة الخانقة التي ترى في الدعاء المتنفس الذي يخرجها من الاختناق ، والساحة الواسعة التي تبتعد بها عن أجواء الحصار ، فإذا جاء الفرج ، وتباعدت الشدّة ، وهطلت الرحمة ، وتنفست الحياة ، وعاشت في حرية العافية ، كان لهؤلاء الناس وضع آخر يختلف عن روحية العودة إلى اللّه . ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً فأحسّوا ببرد العافية في حياتهم ، وبطمأنينة الأمن في ساحتهم ، رجعوا إلى أصنامهم البشرية ، واستسلموا لعلاقاتهم الصنمية ، ليلجأوا إليها ، ويتعبّدوا لها ، ويستغرقوا في أوضاعها الكافرة والمنحرفة ، وليبتعدوا عن اللّه من جديد ، إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ فهم